كنز الحرير والفضة
كانت ثلاث لييرات وسبعون قرشاً هي كل ما تملكه مريم في صرّتها القماشية الصغيرة. عدّتها ثلاث مرات، علّ وعسى أن تترقرق الحسابات وتزيد قرشاً واحداً، لكن الرقم ظل ثابتاً كالجبل. غداً حلول الذكرى الثالثة لزواجها من يوسف، والمساء يلقي بظلاله الدافئة على شقتهما الصغيرة في حي هادئ من أحيّاء المدينة القديمة. جلست مريم ذات الستة والعشرين عاماً على المقعد الخشبي القريب من النافذة، ونظرت إلى الأضواء المتلألئة في الخارج، وثمة غصة طفيفة تخنق حنجرتها. كيف يمكن لمبلغ ضئيل كهذا أن يشتري هدية تليق بالرجل الذي ينفق أيامه ليلاً ونهاراً في عمله المضني كي يؤمن لهما حياة كريمة؟
لم تكن الحياة مفروشة بالورود لهما. يوسف، البالغ من العمر ثمانية وعشرين عاماً، يكافح بصبر ورضا في محترفه الصغير للخط العربي والترجمة، ومريم تغزل المحبة في أدق تفاصيل بيتهما البسيط. ورغم ضيق ذات اليد، كان الحب بينهما زاهياً كزهرة ياسمين تتفتح في قسوة الشتاء. لكن الذكرى السنوية لم تكن يوماً عادياً بالنسبة لمريم؛ كانت تريد أن تهب زوجها شيئاً يجعله يعلم كم تلمع عيناه في قلبها، شيئاً يضاهي إخلاصه المطلق وتدفقه النبيل.
في تلك الشقة المتواضعة، كان هناك كنزان يفيضان بالبهاء، كنزان يتباهى بهما الزوجان بأمل وفخر. الكنز الأول كان ساعة جيب فضية قديمة، ورثها يوسف عن جده الكبير، تحفة فنية نادرة بحوافها المحفورة بدقة وعقاربها التي تعزف دقات الزمن كمعزوفة قديمة. كانت تلك الساعة مفخرة يوسف الوحيدة التي يحملها بجيبه بعناية، رغم أن حبلها الجلدي القديم كان مهترئاً لا يليق بروعتها. أما الكنز الثاني، فكان شعر مريم الطويل، شعراً كستنائياً غزيراً ينهمر على كتفيها كشلال من الحرير الخالص حتى يصل إلى منتصف ظهرها، يلمع تحت الضوء كأنه نسيج من الأسطورة.
وقفت مريم فجأة أمام المرآة الخشبية القديمة. حلّت رباط شعرها، فانسدل الشلال الكستنائي حول وجهها وجسدها، متلألئاً بنعومة آثرة. نظرت إلى انعكاس صورتها، وترددت لحظة خاطفة، ثم جففت دمعة متمردة انزلقت على خدها. اتخذت قرارها الحاسم دون تراجع؛ فلم تكن هناك طريقة أخرى لتوفير المال الكافي في هذه الساعات القليلة المتبقية. أعادت تربيط شعرها بسرعة، وارتدت معطفها البني القديم، ولفّت وشاحها حول رأسها، ثم هبطت الأدراج متجهة نحو السوق المزدحم.
كان الهواء المسائي يحمل برودة منعشة، والمحلات تضيء واجهاتها بعروض براقة. مشت مريم بخطى سريعة نحو متجر متخصص في صناعة الشعر المستعار الفاخر للمسارح والسينما. صعدت الدرج بخطوات متسارعة وقصدت وجهتها بكل شجاعة. دخلت المتجر ورأت صاحبة المحل تجلس خلف مكتبها، تنظر إلى المقتنيات بنظرات خبيرة.
سألتها مريم بنبرة واثقة يمازجها اضطراب خفي: "هل تشترين الشعر الطبيعي يا سيدتي؟". نظرت المرأة إليها، ثم رفعت الوشاح عن رأس مريم ومررت أصابعها الخبيرة بين خصلات الحرير الغزير. لمعت عينا المرأة إعجاباً بالنقاء والنعومة، وقالت بعد لحظات صمت تفكير: "نعم، أشتري. اخلعي وشاحك واجلسي هنا، سأمنحك مائتي لييرة مقابل هذا الشعر الممتاز". وافقت مريم فوراً، وقبل أن تتاح لها فرصة التراجع، استقرت المقابض المعدنية للمقص بالقرب من رأسها.
خمس وعشرون دقيقة كانت كافية لتتغير هيئتها بالكامل. لم تشعر مريم بالندم وهي ترى الخصلات الطويلة تقع على الأرض، بل كانت تفكر فقط بابتسامة يوسف حين يرى الهديّة. خرجت من المشغل وفي يدها المبلغ، لتنطلق في رحلة بحث بين متاجر الصاغة والبائعين في أزقة السوق القديم. طافت ساعتين كاملتين حتى وجدت بغيتها في دكان صائغ عتيق.
كانت الهدايا كثيرة، لكن شيئاً لم يعجبها حتى رأت تلك السلسلة المصنوعة من البلاتين الخالص، بتصميم ناعم ومتين يليق بساعة يوسف الأثرية. لم تكن بهرجة زائفة، بل وقاراً خالصاً يشبه شخصيته. اشترتها بمائة وثمانين لييرة، وعادت إلى البيت وبحوزتها باقي المبلغ وعلبة صغيرة قطيفة تحمل السلسلة الساحرة.
تضحية في العتمة
عندما وصلت مريم إلى الشقة، نظرت في المرآة من جديد. كان شعرها الآن قصيراً جداً، يحفّ برأسها بخصلات قصيرة، لكنه يعطي وجهها رقة ودلائل جديدة. أخرجت أدوات التصفيف وحاولت ترتيب الخصلات الصغيرة لتبدو أنيقة ومقبولة. كانت تقنع نفسها قائلة: "رجوتك يا رب، اجعل يوسف يراني جميلة ولا يغضب، لقد فعلت هذا لأجله فقط!".
في تمام الساعة السابعة والنصف، سمعت صوت مفتاح يوسف يدور في القفل. انقبض قلب مريم ووقفت بجانب الطاولة، تمسك بالعلبة الصغيرة خلف ظهرها. فتح يوسف الباب ودخل، يلفه تعب النهار، ووجهه يحمل مسحة من الإرهاق قبل أن تتجمّد ملامحه تماماً بمجرد أن وقعت عيناه على مريم.
ثبتت عيناه عليها بنظرة غريبة لم تستطع مريم تفسيرها؛ لم تكن غضباً، ولا اندهاشاً عادياً، بل كانت نظرة ذهول عميق وشفقة محبوسة. تجمد في مكانه كأنه تمثال رخامي، ونظر إلى رأسها بذهول صامت. خافت مريم واندفعت نحوه بخطوات سريعة، ممسكة بيديه بلهفة: "يوسف! لا تنظر إلي هكذا! لقد قصصت شعري وبعته لأشتري لك هدية في ذكرى زواجنا.. سيعود وينمو بسرعة كبيرة يا حبيبي، فلا تحزن!".
تداركت مريم أنفاسها وقالت بصوت متهدج: "لا يمكنك أن تتخيل كم هي رائعة الهدية التي اشتريتها لك! قل لي إنك تحبني على أي حال، فشعري ينمو بسرعة فائقة كما تعلم". أخيراً، استفاق يوسف من ذهوله، واحتضن زوجته بحنان بالغ، وكأنما يستوعب المشهد المفاجئ بكل جوارحه.
أخرج يوسف علبة مغلفة بورق أنيق من جيب معطفه، وألقاها على الطاولة بهدوء وقال بصوت دافئ: "يا مريم، لا يمكن لقصة شعر أو تغيير في مظهرك أن يقلل من حبي لك لحظة واحدة. أخرجي هذه الهدية وستفهمين لماذا صدمت في اللحظة الأولى".
هدايا بلا فائدة.. وحب بلا حدود
مزقت مريم الورق بلهفة، وألقت نظرة داخل الصندوق. انطلقت منها صيحة فرح طفولية سرعان ما تحولت إلى دموع هادئة. كانت العلبة تحتوي على مشاطات الشعر العاجية القديمة المرصعة بالأحجار الكريمة الصغيرة، المشاطات ذاتها التي طالما وقفت أمام واجهة دكان الأنتيكات تتأملها في حسرة لأن سعرها كان خارج حدود حلمهما. كانت المشاطات كاملة وأنيقة، مخصصة لتزين شعرها الطويل الذي لم يعد موجوداً الآن!
ضمت مريم المشاطات إلى صدرها، ثم رفعت رأسها وابتسمت وسط دموعها قائلة: "شعري ينمو بسرعة يا يوسف، أعدك أنه سيعود قريباً ليزين هذه المشاطات!". ثم تذكرت هدية يوسف، ففتحت كفها وجمعت السلسلة الفضية البراقة وقدمتها له ببريق في عينيها: "انظر يا يوسف! أليست رائعة؟ لقد بحثت في كل السوق لأجدها. أعطني ساعتك لنركب السلسلة عليها فوراً!".
استلقى يوسف على المقعد الخشبي، ووضع يديه خلف رأسه، وابتدأ يبتسم ابتسامة عريضة مليئة بالحب والدفء. قال بنبرة هادئة: "يا مريم، دعين نضع هدايانا جانباً ونحتفظ بها لوقت آخر.. لقد بعت ساعتي الفضية بعد ظهر اليوم لأشتري لكِ هذه المشاطات العاجية!".
ساد الصمت الشقة الصغيرة لثوانٍ، صمت عميق لم تقطعه إلا دقات قلبيها المترعة بالحب. نظر كل منهما إلى الآخر، ثم اندلعت منهما ضحكة صافية دافئة أذابت كل تعب السنين. لقد ضحى كل منهما بأغلى ما يملك من أجل إسعاد الآخر، ليرسما معاً معنى الهدايا الحقيقية.
في تلك الليلة الباردة، على طاولة طعام بسيطة تحمل خبزاً وشائياً دافئاً، لم تكن هناك ساعة تخبرهم بالوقت، ولا شعر طويل تضمنه المشاطات، لكنهما كانا يملكان أثمن كنز في الكون: حب خالص لا يقدر بمال، وتضحية صادقة جعلتهما أغنى زوجين في المدينة كلها.
— تمّت —
🌙 حكاية جديدة كل ليلة — تابعنا على X @daftaralhekayat
تعليقات
إرسال تعليق